عبد الرحمن السهيلي

145

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

الملائكة هم من ملكوت الله ، وفيهم رسل ، ولواحد منهم من ملكوت الله فقط ، لأنه لا يتبعض كما تتبعض الجملة منهم ، فأما قول الشاعر : فلست لإنسيّ ولكن لمألكٍ * تنزّل من جوّ السماء يصوب فهمز مألكاً ، وهو واحد ، والبيت مجهول قائله ، وقد نسبه ابن سيدة إلى علقمة ، وأنكر ذلك عليه ، ومع هذا فقد وصف مألكاً بالرسالة لقوله : تنزل من جو السماء يصوب ، فحسن الهمزة لتضمنه معنى الألوك ، كما حسن في جملة الملائكة ، إذ للجملة بعض هم إرسال ، والكل من ملكوت الله سبحانه ، وليس في الواحد إلا معنى الملكوتية فقط حتى يتخصص بالرسالة ، كما في هذا البيت المذكور ، فيتضمن حينئذ المعنيين ، فتطلع الهمزة في اللفظ ، لما في ضمنه معنى الألوك ، وهي الرسالة . مقتل كعب بن الأشرف ذكر فيه أنه شبب بنساء المسلمين ، وآذاهم ، وكان قد شبب بأم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب فقال : أراحل أنت لم ترحل لمنقبته * وتاركٌ أنت أُمّ الفضل بالحرم في أبيات رواها يونس عن ابن إسحاق . وذكر فيه قوله عليه السلام : من لكعب بن الأشرف ، فقد آذى الله ورسوله . فيه من الفقه : وجوب قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ذا عهد ، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يرى قتل الذمي في مثل هذا ، ووقع في كتاب شرف المصطفى أن الذين قتلوا كعب بن الأشرف حملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة ، فقيل : إنه أول رأس حمل في الإسلام ، وقيل : بل رأس أبي عزة الجمحي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، فقتله واحتمل رأسه في رمح إلى المدينة فيما ذكر ، وأما أول مسلم حمل رأسه في الإسلام ، فعمرو بن الحمق ، وله صحبة . وفيه من قول حسان في كعب : بكى كعب ثم * علّ بعبرةٍ فيه دخول زحاف على زحاف ، وذلك أن أول الجزء سبب ثقيل وسبب خفيف فإذا دخل فيه الزحاف الذي يسمى الإضمار صارا سببين خفيفين ، فيعود متفاعلن إلى وزن مستفعلن ، ومستفعلن يدخله الخبن والطي ، وهو حذف الرابع منه ، فشبه حسان متفاعلان في الكامل بمستفعلن لما صار إلى وزنه ، فحذف الحرف الساكن وهو الرابع من متفاعلن إلى وزن مفتعلن ، وهو غريب في الزحاف فإنه زحاف سهل زحافاً آخر ، ولولا الزحاف الذي هو الإضمار ، ما جاز البتة حذف الرابع من متفاعلن . وذكر في الذين قتلوا كعباً أبا عبس بن جبر ، واسمه : عبد الرحمن ، وذكر سلكان بن سلامة ، واسمه : سعد . وذكر في شعر حسان الفاوي ، وفيه : ببيض ذفف . الذفف : جمع ذفيف وهو الخفيف السريع ، وهو جمع على غير قياس ، وإنما فعل جمع فاعل ولكن الذفيف من السيوف في معنى القاطع والصارم . وفيه : في عرين مغرف . العرين : أجمة الأسد ، وهو الغريف أيضاً ، والغريف أيضاً الكثير ، فيحتمل إن أراد بمغرف مكثراً من الأسد ، ويحتمل إن أراد توكيد معنى الغريف ، كما يقال : خبيث مخبث .